كان الجو خانقا ..متكدرا ..غيوم السماء الداكنة تتقدم الواحدة تلو الأخرى لتغطي الأفق حيث وقف ذلك الرجل البائس
..عند الميناء حيث راحت أمواج البحر تلطم الصخور المترامية هنا وهناك ..تأمل ما حوله مليا ثم
فتح الظرف الذي وصله اليوم من عائلته التي تعيش فوق أرض الوطن ..
أخذ ينظر للسطور المكتوبة بلغته الأم ... قد مضت مدة طويلة بالفعل
منذ أن رأت عيناه هذه الحروف العربية التي
اصبحت بعد البعد الطويل كأشكال يصعب عليها فهمها ..كان من الصعب عليه قراءة
الرسالة ... أحس بشيء ينخر داخله ياله من عار ! كيف تنسى هذه الحروف و
هذه اللغة ..
راح يعاني وهو يحاول قراءة تلك الكلمات.. يجاهد نفسه ليفك شفرة كل
حرف ويجمع الكلمة بالكلمة ليعرف المعنى
النهائي للجملة وبعد عناء طويل فهم مضمون تلك الرسالة البائسة :
لقد توفي والده منذ أسبوع و الأهل يعيبون عليه هذا الغياب الطويل و التغاضي عن واجبه للوقوف مع عائلته لقبول التعازي في والده
الذي افنى عمره وباع الغالي والرخيص لينشأ هذا الفتى الوحيد وليوفر له كل ما يحتاج لينجح و
يسافر حيث يلقى التعليم المناسب ..وها هي السنة العشرون تمضي منذ أن غادر أرض وطنه
، رحل ولم يعد ..
والآن ها قد وصلته رسالة تطلب منه العودة على الأقل لكي يقف عند ذلك القبر و يقول وداعا لوالده ثم يأخذ
نصيبه من التركة وليذهب للجحيم فما من أحد
هناك في ذلك البلد صار يريد رؤيته بعدما غير جنسيته وباع اهله الذين ضحوا من اجله دائما
عاد إلى المنزل يجر وراءه عار وعيبا وعقوقا عظيما ... كان يشعر بأن
كل الناس من حوله ينظرون إليه ويصفونه بأسوأ الأوصاف ، كان يرغب بشكل فظيع بأن يدس رأسه في التراب..
دخل منزله ..ألقى التحية شاردا على زوجته الانجليزية .. ردت عليه
ببرودها المعتاد إنها لا تهتم بحالته المنكوبة التعيسة المفاجئة أو الدائمة وما يهمها في الأمر ..إنه يعمل ليجلب لها المأكل
والمشرب و يعتني بابنتها التي ما نسبت له ولا لعروبته يوما
قال لها بصوت مبحوح : أنا احتاج جواز سفري علي السفر إلى الجزائر بعد
يومين ، لقد توفي والدي وعلي أن أكون قرب عائلتي ..
ـ أنت لا تفهم مرارا قلت لك لقد مزقت تلك الوثيقة الأخيرة التي تربطك
بالجزائر وبأهلك انت ما عدت تنتمي لتلك الأرض فلتنسها .. ستبقى هنا فما من مكان
ستذهب اليه بعد ان اتركك ، لن يستقبلك الا الجحيم اذا فعلت أيها العربي المسلم
الوغد ..
بدأ الشجار اليومي المعتاد .. كان يعرف أن نهاية هذا الزواج قريبة
..لكنه يرى الآن أن نفوذها يؤدي الى نهاية مشواره الذي عمل عليه مطولا ايضا
فكر مليا .. نظر اليها وهي تتوعده وتصرخ به . ماذا سيخسر بعد .. أهله
تخلوا عنه ، زوجته التي استنفذت كل طاقته ماتزال تريده خادما دون صوت لها ولابنتها .. إنه سائر للجحيم
بالفعل
سار نحو البحر هناك حيث قرأ حروف لغته بعد فراق طويل ، نظر إلى الأفق ..أغمض عينيه وراح يتذكر الماضي البعيد هناك في شوارع
مدينته الحبيبة ،هناك حيث داعبته رائحة طعام امه ، تهادى الى اذنيه صوت والده يتلو عليه
النصائح ، تذكر رفقة الطفولة و أحلامه
الضائعة ... فتح عينيه ليرى أمامه خياله
يصور له نفسه فارغة الروح فاشلة ضائعة .. نظر الى السفن الراسية عند الميناء
: أتأخذني لأرضي
أغمض عينيه مجددا، هتف بلهجته : راني راجع يا بلادي . تقدم خطوة خطوة، تمايل قليلا ثم هوى إلى المحيط ..

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire